انقذوا انسانيتكم

Housam Adnan:

من رحم الاموات
اكثر من عشرين عاما كان المبضع رفيقي
يتراقص بين اصابعي وانا اجري عملي بهدوء تام
في نهاية كل يوم اهمس في اذنه :
اجدت واصبت وبفضل الله انقذنا سويا الكثير
الا ان الحال تغير
والمبضع في الايام الماضية لم يعد كما كان
لم تعد اناملي تقوى على حمله
يبدو ان جزءا من روحي انغرس في طيات اسنانه فلم يعد يحتمل حجم الجراح التي يراها
اطفال بلا اطراف
بلا عيون
بلا اوجه
نساء واسرها تغطيها ملاءات مملوءة بالكثير من تراب وطنها والاكثر من دماء ابناءها
رائحة البارود ولونه الاسود المقيت يخيم على تلك الوجوه الجائعة الذابلة
صراخ الاطفال وعويل النساء وقهر الرجال وعجز الاطباء وصل الى مشرطي الميت فدب فيه روحا من بؤس الجمته من هول ما راى لكن تلك الصرخات لم تصل الى قلوب العالم لتوقظه
اليوم كل من يراجعنا هم تلك الاجساد النحيلة المدنفة التي ما ذاقت طعاما منذ ايام مدفونة مع اطفالها تحت ركام تلك البراميل التي لا تميز حجرا عن بشر
اليوم ومن تحت ركام وطننا احضروا لي اما في شهرها السابع مع اثنين من اطفالها
لو اخبرتكم ان بؤس العالم اجتمع في نظرات اولئك الاطفال لما اعطيت نظراتهم حقها
الطفل الاول بلا ساق يمنى وقد كسرت يسراه والاخر فقد عينا وشظية خرقت صدره والام تنازع البقاء فالشظية خرقت كل جسدها النحيل فاردتها بين ايدينا تتنفس اخر انفاسها
اراها تصارع لاجل البقاء وعيونها شاخصة نحو فلذات كبدها وهم على تلك الحال
والاب غادرهم شهيدا منذ اشهر قليلة
احضروهم لي ببطانية واحدة لاننا فقدنا نقالات المرضى فقد استعملناها بدل الاسرة التي امتلأت
ارجوكم واستحلفكم بالله ان تتخيلوا معي للحظة ذلك المشهد وتلك البطانية الممزقة المدماة التي حملت اربعة ارواح الام وجنينها وطفليها
همس احد الزملاء في اذني
علنا ننقذ طفلها
ولاول مرة في حياتي جلست افكر مطرق الراس
سننقذه ام سندعه سعيدا في بطن امه لم يشاهد بشاعة هذه الدنيا
هل ادعه يرحل معها
لا.. لا
واجبي ان اخرجه وأنقذ روحه فتلك مهمتي
نظرت من حولي
اطفالها الممزقين
روحها التي بدات تغادر جسدها
اصوات الطيران وانفجار البراميل
بكاء الاطفال الذي يصم الاذان ويحرق القلوب
وزميلي يهمس في اذني
ماذا تنتظر
هلم….
فهناك حياة علينا استخراجها
نظرت الى مبضعي وصديقي ورايته يائسا اكثر مني
لمن ستنقذه ولأي دنيا ستخرجه
دنيا البراميل والنيران والخذلان
دنيا اليتم والقهر والعجز والجوع
من سيرضعه
من سيغير له حفاضه
من سيهدهد عليه
من سيسمع انينه
نعم له رب لن يضيعه ولكنني بت عاجزا مع مشرطي على مجرد التفكير
ايقظني من احلامي صوت زميلي….
توقف قلبها!!!
ساستخرجه الان وهي ميته
وللمرة الاولى في حياتي خانني مبضعي… وضعته على الطاولة وخلعت قفازي ومضيت دون ان اتكلم بحرف
واستكمل زميلي عمله وانا ابصر الدمع يتساقط من عينيه وهو يرمقني بنظرة عجب!!
كل تلك الحادثة لم تستغرق بضعة دقائق ولكنها حفرت في قلبي سنوات من قهر وعجز ما تخيلت ان اقراها في مذابح التتار ولا محاكم التفتيش ولا حتى مع فرعون
ايها العالم وقادته وملوكه …
اخاطبكم اليوم وانا كلي يقين انكم لن تنفذوا الا قدر الله فينا
ولكن غض بصركم اليوم عن تلك المجازر التي تطال مئات الالاف من المدنيين لاذنب لهم الا انهم ولدو على ارض تسمى غوطة الشام هو عار عليكم وعلى شعوبكم
لن اطلب انقاذ الغوطة
بل اطلب انقاذ انسانيتكم
انقاذ شعوبكم
انقاذ اولادكم
وثقوا تماما
ان ذاك الطفل الخارج من رحم امه الشهيدة حجة عليكم
اطعموه
ادفئوه
اعطوه حقه بحياة كريمة فقط
وهل نطلب منكم غير ذاك
اوقفوا تلك الوحوش في السماء التي تحمل براميل الموت له ولامثاله
تعالوا وادخلوا بين اطفال الغوطة
تحسسوا وجوههم استمعوا الى قرقرات بطونهم الجائعة ابصروا يتمهم
اليسوا بشرا
اعلنوا ان شعاراتكم ليست عنصرية لدمائكم فقط بل هي للبشر كل البشر لانكم بذلك تنقذون ما تبقى من نفخة الله في ارواحكم