“ميتةً سريعة فلتكن!” شهادة أوس المبارك، طبيب أسنان من الغوطة الشرقية المحاصرة

أكتب هذه المادة بعد مرور عشرة أيام مما لم يمرّ علينا طيلة الأعوام السبعة الماضية. التقط أنفاسي كما كل الناس هنا، ويملأ صدري الاكتئاب بعد تلك الأيام المريعة التي لم تنته بعد، فالقصف لم ينقطع وإنما قلّ على مناطق المدنيين، فيما يشتد القصف وتدور المعارك على مدار اليوم على كل جبهات الغوطة التي تحاول قوات الأسد وأعوانها اقتحامها.

أتمنى من قارئي ألا يظنّ أنني أجانب الحقيقة فيما أقول، خصوصًا بعد قرار مجلس الأمن 2401، الذي وافق جميع أعضاء مجلس الأمن عليه بمن فيهم حكومة روسيا، وبعد إعلان الهدنة لخمس ساعات يوميًا لإخراج المدنيين التي أعلنتها حكومة روسيا بما يناقض قرار مجلس الأمن. لقد تعودنا على أن التصريحات الرسمية من الدول العظمى لا تتوافق مع ما يفعلونه غالبًا. والحقيقة هي أننا لم نشهد هدنة لمدة خمس دقائق طيلة الأيام العشرة الماضية.

كم صعب أن أشرح مدى الإرهاق والمآسي والأهوال وتراكمها خلال السنين السبعة الماضية، لكن من الضروري أن أسردها باختصار ليكون نقل واقعنا اليوم دقيقًا.

بدأت الثورة السورية في ربيع 2011، أسوة بثورات الربيع العربي التي سبقتها لإنهاء الطغيان والدكتاتورية واستعادة السلطة للشعب. خرجت المظاهرات السلمية في معظم مدن سوريا وقراها. وقابلها نظام الأسد الابن، الذي ورث حكم الجمهورية من أبيه، بالقمع والقتل والاعتقال والتعذيب حتى الموت، ولم يقبل أن يقدم أي حق للشعب.

وبعد حوالي عام من بدء الثورة، وبعد سقوط آلاف الشهداء واعتقال عشرات الآلاف، وعدم استجابة النظام لأي مطلب ولو كان صغيرًا، واستمراره في نهجه الوحشي، بدأ بعض المتظاهرين بحمل السلاح، وبدأت تتجه الثورة إلى العسكرة. واستغلت بعض الجهات المتطرفة هذه الحالة لتدخل بحجة الدفاع عن المدنيين والحق المشروع في الدفاع عن النفس، وسهّل لها نظام الأسد ذلك، دون أن توضح في البدء توجهاتها المتطرفة، وإنما أبدت غيرية وإيثارًا وزهدًا كبيرًا في كل شيء، إلى أن توسعت وزاد تعدادها فبدأت بإظهار فكرها المتطرف وممارساتها المنتهكة لحقوق الإنسان، دون أن يجرؤ أحد على التصادم معها لما يمكن أن يسبب من تسهيل قضاء النظام عليهم جميعًا، متطرفين وغير متطرفين، حيث لم يتوقف النظام عن قصف المناطق التي خرجت عن سيطرته ومهاجمتها بشتى الأسلحة، وكان القصف يستهدف يوميًا بشكل مركّز المدنيين الذين ارتضوا الخروج عن سيطرته.

حدثت هذه السيرورة في معظم المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام في الأعوام الثلاثة الأولى، بما فيها الغوطة الشرقية الملاصقة لمدينة دمشق العاصمة. لكنّ الغوطة شهدت صيف 2013 حدثين جللين، كان لهما أثر كبير عليها.

أولها مجزرة الكيماوي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد مجزرة حلبجة التي ارتكبها نظام صدام حسين في ثمانينات القرن الماضي. سقط حوالي 1500 ضحية معظمهم من الأطفال والنساء، وأصيب حوالي عشرة آلاف آخرين. كان يومًا مريعًا شبّهه البعض بما قرؤوه عن يوم القيامة. وقد نجا نظام الأسد من العقاب بعد تسليمه أداة الجريمة! وفي الحقيقة لم يقم بتسليم مخزونه الكيماوي كاملاً، فقد استمر في استخدامه عشرات المرات بعدها، كان أكبرها مجزرة خان شيخون التي قامت لجنة التحقيق فيها بحصر الاحتمالات الممكنة للفاعل بنظام الأسد وحده.

وثانيها هو إطباق الحصار على الغوطة الشرقية من قبل قوات الأسد، حيث شهدت المنطقة جوعًا وشحًا في الدواء والمحروقات والكهرباء والماء وكل الحاجيات بشكل شبه تام، حتى عادت كثير من الطرق البدائية لتلبية الاحتياجات. ومات المئات بسبب الجوع وفقدان الدواء، إضافة إلى الآلاف مع استمرار القصف اليومي على المدنيين.

ما زال الحصار مستمرًا إلى اليوم، حيث لا يسمح النظام إلا بدخول القليل من البضائع بأسعار تصل إلى عشرة أضعاف سعرها في دمشق، ويقوم مرارًا بمنع دخول البضائع لأشهر لتصبح الأسعار في الغوطة أعلى منطقة في العالم، فيعاني معظم الناس من الفقر والجوع وسوء التغذية ونقص الدواء والحاجة إلى بذل مجهود بدني كبير مع نمط الحياة البدائي المفروض.

خمسة أعوام تحت الحصار لأربعمئة ألف نسمة، نسي فيها معظم الناس كيف كانوا يعيشون قبلها، وولد أطفال لا يعرفون الفواكه إلا في الرسومات التعليمية، ولم يعرفوا الملاهي والكهرباء والتلفزيون، ولم يعرفوا أن هناك حياة يمكن أن تعاش بأمان.

ونشبت معارك داخلية بين الفصائل المتطرفة، وأخرى بين متطرفة ومعتدلة، وتقطعت أوصال الغوطة بسببها. لكن التطرف تآكل كثيرًا بعد القضاء على تنظيم داعش وانحسار تعداد جبهة النصرة إلى أقل من ألف عنصر.

لا أريد القول أن كل ما شهدناه كان مريعًا، فقد تمكن المجتمع من تحقيق خطوات كبيرة في الديمقراطية، أهمها قيام انتخابات للمجالس المحلية لجميع السكان بمن فيهم النساء، وهو ما لم يتم منذ خمسين عامًا من حكم الأسدين، الأب والابن. وكذلك شهدنا مبادرات مدنية كثيرة لتعزيز قيم حقوق الإنسان وتنمية المجتمع.

لكن هذا كله كان ينغّصه دومًا ما يرتكبه نظام الأسد من جرائم بحق المدنيين. وصل تعداد ضحايا الغوطة إلى عشرات الآلاف، منهم من كان ينتظر إجلاءه خارج الغوطة لعدم توفر علاج له داخلها، دون أن يقبل نظام الأسد بذلك. وبرغم كل ما كان يقال عن خفض تصعيد أو اتفاقات هدن وغيرها، لم يكن يتوقف عن جرائمه. كان جميع أهل الغوطة يسمعون الأخبار والتصريحات والاتفاقات، وينظرون إلى واقعهم فلا يرونه يتغير.

لم يصدقنا أحد عندما قلنا إن هذا النظام لا يعرف من السياسة سوى تكرار بروباغندته في المحافل الدولية والاستمرار في اتباع حل “البوط العسكري” دون أن يقبل مناقشة أي شيء من حقوق شعبه. لا حل سياسي يمكن أن يتم معه لأنه لا يقبل أن يشاركه أحد في “ملكيته” لكل البلد، وربما لا يستطيع.

واستمرارًا في نهجه، فقد بدأ ليل الأحد 18 شباط/فبراير 2018، بحملة غير مسبوقة على الغوطة. لم نشهد مثيلاً لها برغم كل المجازر وحملات القصف التي عايشناها مئات المرات.

عشرات آلاف القذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة في اليوم الواحد. لم تفارق أسراب الطائرات الحربية المقاتلة والمروحية سماء الغوطة أي دقيقة، ولم تتوقف القذائف المدفعية وصواريخ الراجمات عن قصف كل المناطق السكنية دون استثناء. تشهد الغوطة الآن حالة شلل كاملة، يلجأ معظم السكان إلى الأقبية، والشوارع مهجورة والمحال مغلقة.

وتستخدم الطائرات المقاتلة صواريخ شديدة التفجير لم نشهدها من قبل، الصاروخ منها كفيل بإسقاط بناء من ستة طوابق. عشرات الأبنية انهارت على رؤوس ساكنيها، وأقبية انهارت على الأطفال والنساء فمات كثير منهم تحطيماً تحت الركام.

يحيط القصف بنا من كل جانب، الصواريخ تصم آذاننا ونظن أن التالي سيكون علينا، ولدى الجميع شعور أن دوره قادم لا محالة، ونتفق جميعاً في طلب وحيد: إن كان ولا بد، فلتكن ميتة سريعة لأطفالنا ولنا. دون عذاب الموت البطيء تحت الركام.

تغص المشافي الميدانية تحت الأرض بالضحايا والجرحى. لم يعد الأطباء يحتملون العمل المستمر على مدار اليوم، علاوة على الاستهداف المستمر للمشافي لمنع الجرحى من التداوي، كما كان يفعل مع المتظاهرين عام 2011 حيث يمنعهم من العلاج في المشافي ويقوم باعتقالهم فورًا في حال دخولهم لها.

أما الخوذ البيضاء، فهم أنبل من عرفته الثورة، إنهم أبطال بمعنى الكلمة، يهرعون فوراً إلى أماكن القصف برغم اشتداده وكثافته لينقذوا الجرحى وينتشلوا الضحايا من تحت الركام. بعضهم استشهد وهو يقوم بعمله النبيل، ولم تسلم مراكزهم من القصف المركز عليها لإخراجها عن الخدمة وقتل أكبر عدد ممكن منهم. وليس غريباً أن يحقد عليهم نظام الأسد وأعوانه ويروجوا عنهم الأكاذيب، آخرها أنهم يحضرون لهجوم كيماوي على المدنيين ليتهموا به نظام الأسد!

الأقبية المنهارة أمر جديد على خبرات الخوذ البيضاء، لكنهم لم يعدموا إصرارهم على الاستمرار في إنقاذ الجرحى، فحفروا الأنفاق من الشوارع المجاورة من أجل الوصول إليها.

ولكن، برغم الجهود الجبارة التي كانت تبذل من جميع الهيئات المدنية لتقليل المأساة والأهوال، فإن الكارثة أكبر من أن يوازنها أحد. كثير من الأقبية غير مجهزة بدورات مياه أو أبسط الاحتياجات. عتمة كاملة داخلها. يقضي الناس فيها معظم يومهم، منتظرين انتهاء القصف الذي لا ينتهي. كثير منهم فقد منزله في القصف. لا يجدون ما يشترونه في الخارج، والفقر يمنع كثيرا منهم من دفع ثمن أي شيء لأنه يعيش كل يوم مما يجنيه في اليوم ذاته، والعمل ممتنع الآن.

ورغم أن القصف قلّ على مناطق المدنيين في اليومين الأخيرين، واشتداده على جبهات الغوطة التي يحاول النظام اقتحامها من كل الجهات، فإن الحياة ما زالت مستمرة بالشلل بسبب عدم تجرؤ أحد على العودة إلى الحياة الطبيعية مع احتمال أن يطالهم القصف المستمر.

أريد التذكير أن هناك دولاً تتصارع في سوريا عن طريق وكلائها في النظام والمعارضة، ويتركون المدنيين يدفعون ثمن صراعاتهم، وأن نفس حكومات هذه الدول اعتذرت عن الظلم والمجازر التي ارتكبها أجدادهم بحق الهنود الحمر والأفارقة واليهود. ربما يتوقعون أن يعتذر أحفادهم عما يرتكبونه اليوم بنا!

لكن هناك جانبًا مشرقًا لا يجب أن ننساه، وهو التضامن الذي لقيناه من كل شعوب العالم. لكل من تضامن معنا ووقف من أجل حريتنا وكرامتنا جزيل الشكر والامتنان. في الواقع هم يدافعون عن حريتهم في عالم يهدده خطر فقدان كل قيمه في الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والديمقراطية إن استطاعت الأنظمة الطغيانية الوحشية في الانتصار على من طالب بالحرية والديمقراطية.

تصوير : سمير الدومي