جهاد ناشط مدني سابق في الغوطة الشرقية – التهجير القسري

لا يمكن وصف شعوري من لحظة ركوبي أنا وزوجتي وأطفالي في القافلة حتى لحظة الوصول , قبل ذلك مر أيام ونحن ننتظر دورنا للركوب .. الآلاف من البشر قد تجمعوا بانتظار دورهم .. بين أزفة الأبنية المدمرة والمتارس .. الجميع هنا قد تساووا .. أطباء ومدرسين ومدراء منظمات وفقراء .. الجميع ينتظر دوره للخروج .. حصل العديد من المشاجرات والخلافات والتي أدت أحيانا لضرب متبادل بين من كانوا ينتظرون دورهم ومن أخذوا دور غيرهم ..

عند الساعة العاشرة ليلا استطعنا ركوب الباص أنا وزوجتي وطفلاي .. الشعور الأول هنا هو اختلاط لمشاعر عديدة … الحزن , الخوف , المستقبل , التهجير , الوطن , أطفالي , أين نحن ولأين نذهب , ماذا ينتظرنا !!
عند أول حاجز تفتيش .. صعد الضابط الروسي إلى القافلة بابتسامة تحمل بين ثناياها الخبث , قال : السلام عليكم , لم يجب أحد , لحقه أحد عناصر النظام : نريد أن نفتش , من  يحمل بندقية مسموح له مخزنان , بدأ التفتيش , صراحة كانوا محترمين ومنصاعين بالكامل للضابط الروسي الذي أمرهم أن لا يتعرضوا لأحد ولا يضايقوا أحد …

بدأت القافلة بالمسير بعد ساعتين من التوقف , وبدا عقلي وروحي تسيران خلف تلك الحواجز المطلة على ذاك المسجد المدمر .. مسجد غبير في عربين .. خلفها تركت والداي وأختي .. بقيو في البلد , دون أن استطيع توديعهم

طفلاي من عمر الثورة , نور عمرها خمس سنوات ورائد سنتين , لم يسبق أن ركبا الباص أبدا , كانت أمهم تحضنهم , هم كانوا فرحين ظنا منهم أنهم في نزهة

استعدت ذكرياتي كلها على الطريق , ذكريات الموت والدمار والألم .. ذكريات الخوف والجوع والفقر والحصار , ابتسمت لأني خرجت حيا مع أطفالي .. ولكن ماذا عن ذكريات ما قبل الحرب , ماذا عن منزلي وأرضي وطفولتي وجيراني .. ماذا عن والداي .. غصة مع حرقة في القلب , قلت لنفسي لا امتلك خيارات , خروجي لم يكن بارادتي

حوالي ٨ ساعات وصلنا لبداية الساحل السوري , طرطوس بدأت الناس تنظر للبحر , الجيمع يعاني اضطراب مشاعر .. بعضهم بكى , بعضهم صمت .. هناك من كان نائما غافيا بعمق .. أولادي لم يعرفوا ماهذا .. زوجتي أخرجت جهازها وبدأت تصور .. بشكل عام عليك أن تعرف أن هذه القافلة تحوي مزيجا من الأضداد لا تشترك بين بعضها إلا بقاسم التهجير والحزن .

ودخلنا بعدها بين الجبال بين ضيع وقرى مليئة بصور بشار الاسد واخوته وأعلام النظام وصور لبوتين وحسن نصر الله , الآن قد علمت شيئا , لقد ادخلونا للقرى الموالية للأسد والتي تنتمي لطائفته , بدأنا نشاهد على جانبي الطريق مدنيين وعسكر يقفون , يشتموننا بألفاظ ويشيرون لنا بإيماءات ويرفعون بوجهنا الأحذية العسكرية .. تعرضت قافلتنا لرمي بالحجارة والأوساخ ..
ساعتين من الوقت ونحن نمر بتلك القرى ونتعرض لتلك المواقف .. حفظت اسمين بيت ياشوط والغاب , كانت من بين القرى التي أساءت لنا بشدة

شعور بالذل , شعور بالخيبة , أهؤلاء شركائنا بالوطن, ,هم يعلمون أن معظم من في القافلة أطفال ونساء ورجال مدنيين , هل كنا نعيش مع هؤلاء بسلام قبل سبع سنوات  لقد اعتصر قلبي .. وكدت انفجر ..

وصلنا إلى أول منطقة محررة .. قلعة المضيق , حيث ارتاحت نفسي قليلا من تلك المشاهد , الآن وقد بدأنا طريقا جديدا لا نعلم نهايته أو لا نعلم بدايته , مهجرين في الشمال السوري , كان الاستقبال محفوفا بالمحبة والشوق من قبل من كانوا بانتظارنا .. مؤسسات ومنظمات و مدنيين , أخذونا لمخيم نازحين بالقرب من المنطقة .. الآن أنا أعيش في مخيم مع زوجتي وأطفالي

جهاد
ناشط مدني سابق في الغوطة الشرقية